مصطفى لبيب عبد الغني
22
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
الخطوات صعوبة وأكثرها جدارة . » « 1 » ونحن في ذلك نرى بوضوح أن المقارنة بغية الفهم والإيضاح شئ ودعاوى التأثير والتأثر شئ آخر تماما . وإنه وإن كانت الدراسة التاريخية توضح انتساب الفكرة المعينة إلى هذا المفكر أو ذاك فإننا ندرك الوظيفة الهامة للاستبصار الفلسفي حين ينجح في العثور على بذور الفكر الأسمى النّير وسط ضباب الفكر المختلط الغامض ونعرف ما استطاع المفكر أن يتبينه في وضوح وما لم يستطع أن يراه أو ما لم يره إلا في عتمته وقتامته ، ونعرف ما هو ضمني مضمّر عنده ونميّز في عرضنا لجوهر فكره بين ما هو ضروري وذو قيمة وبين ما هو عرضي ويخلو من القيمة . ( رابعا ) : إن حدود المعرفة العلمية وغاياتها المتمثّلة في العصر الوسيط - والعلم الاسلامي في جملته يقع في نطاقه - قد حكمت الغاية التي استهدفها علماء ذلك العصر بوجه عام ، فلم يكن الابتكار مطمحهم ، بل قصارى ما كانوا يسعون إليه هو تفسير كل جديد بما يدخله في إطار النظريات القديمة المقررة ، وكان ثمت إيمان بسلطان الحكماء القدماء وثقة مطلقة بصواب رأيهم . ولعلّ في ذلك تفسيرا لتلك الكثرة الهائلة من الشروح والتلخيصات والتعليقات - على ما قد خلّفوه من أثار . وهي كثرة حظها من الابتكار محدود ، على وجه العموم ، وقيمتها القصوى مجرد قيمة تفسيرية ، ترسخ الايمان بمبادئ سبق تقريرها وأصبحت موجهة لمسار العقل العلمي . وحينما كان علماء ذلك العصر يعوزهم وسائل الإقناع أو الاقتناع كانوا ينسبون الرأي المرتضى إلى الحكماء السابقين حتى ما صدر عنهم هم أنفسهم ، وذلك جانب معروف من جوانب قضية الانتحال في ثقافة العصور القديمة والوسيطة على الخصوص .
--> ( 1 ) Sarton , G . introduction . . vol . I . p . 2 .